مقدمة لـ Trails: المشروع القصصي الأكثر طموحاً في عالم ألعاب الفيديو

لطالما كانت قدرة ألعاب الفيديو على سرد القصص واحدة من أهم المحاور التي ناقشها النقاد واستكشفها المطورون منذ فجر الصناعة. ما هي نوعية القصص التي يمكننا حكايتها عبر هذا الوسط؟ مع الوقت اتضح – جدلاً – أن “جميعهم” هي إجابة ذلك السؤال، وأصبح السؤال الأهم هو: ما الذي يمتلكه هذا الوسط ليقدمه لفن حكاية القصص، جدلاً أقدم الفنون الإنسانية؟ الإجابة العامة المتفق عليها هي “التفاعل” وما يعنيه للـ “انغماس”. عندما تشاهد فيلماً، انت تشاهد الشخصية، بينما عندما تلعب لعبة فأنت الشخصية نفسها. لكن، ما الذي يعنيه هذا؟ يعتقد بعض النقاد أن كل محاولة لتصميم شخصية رئيسية ذات هوية وحضور هي إلغاء لنقطة تفوق الوسط، وأخذ من قدرة اللاعب على الانغماس وعلى أن يعيش القصة، بينما يعتقد آخرون أن عنصر “التفاعل” هذا ينفي عن الوسط كونه فناً من الأساس. تلك آراء حادة راديكالية، وبينهما عشنا محاولات لا تعد ولا تحصى في استكشاف قدرات الوسط القصصية واستغلال عنصر التفاعل لتقديم تجارب من المستحيل تقديمها في أي وسط آخر.

طموح سلسلة Trails القصصي يكمن في مكان آخر. فهي ليست اللعبة الأكثر تجريبية ولا هي تلك التي تدفع عنصر التفاعل لحدوده، لكني لا زلت أعتقد أنها المشروع القصصي الأكثر طموحاً في الصناعة حالياً. هذا غريب، كونها سلسلة RPG يابانية منخفضة الميزانية من مطور مغمور عالمياً، وهذا يستحق مقالاً تحليلياً في حد ذاته، لكنه ليس هذا المقال، فدافعي لكتابة هذا المقال مختلف.

سلسلة Trails ليست فقط استثنائية في طموحها، بل في جودتها. كل بضع سنوات أكتشف لعبة تجدد حبي لهذه الهواية وتنضم لقائمة مفضلاتي الشخصي. هذه السنة كانت سلسلة Trails، التي أصبحت أضعها بنفس المكان الذي أضع فيه سلاسل مثل Final Fantasy وShin Megami Tensei، وأترقب الجزء القادم منها – Kuro No Kiseki – ترقباً لا يختلف عن ترقبي لـ Final Fantasy XVI. يؤسفني كون هذه السلسلة لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، وأرجو بهذا المقال أن أقنع بعضكم بإعطائها فرصتها، فالتجربة التي تقدمها – حرفياً – لا تقدمها أي لعبة أخرى.

سلسلة Trails هي سلسلة من ألعاب الـ RPG اليابانية من تطوير Nihon Falcom، المطور خلف سلسلة Ys. تتكون السلسلة حتى هذه اللحظة من 11 لعبة مختلفة تتشارك نفس العالم ومازالت تصدر بشكل شبه سنوي. تشارك الألعاب لنفس العالم بحد ذاته هو شيء غير معتاد في ألعاب الـ RPG اليابانية، وأقرب لما نراه في النظير الغربي، لكن هذا ليس كل شيء. فالألعاب تتشارك أيضاً قصة رئيسية واحدة تمتد من الجزء الأول Trails in The Sky حتى يومنا هذا، ويخطط لها أن تنتهي خلال السنوات القادمة. هذا يجعل Trails أقرب لسلاسل الـ Fantasy الأدبية من فئة Wheel of Time وMistborn منها إلى المعتاد في ألعاب الفيديو التي تحاول دائماً أن تكون كل لعبة مستقلة لأقصى درجة ممكنة حتى لا تخسر أي لاعبين جدد محتملين. اللهم أن كمية نصوص Trails تخطت بالفعل كمية نصوص Wheel of Time كاملة!

فما اكتشفته Falcom خلال تطويرها لـ Trails in The Sky هو أنه ليس بإمكانهم منافسة الكبار في أشياء مثل المستوى التقني، لكن بإمكانهم تعويض هذا وغمس اللاعب في عوالمهم غمساً بطريقة مختلفة أرخص هي النص. كمية النصوص في ألعاب Trails مجنونة. ورغم امتلاك كل لعبة لقصة رئيسية طويلة تحتاج لذاتها 60 ساعة أو أكثر لإنهائها، فهي لا تشكل أغلب كمية النصوص الموجودة في لعبتها حتى. هذا يعود لاهتمام Trails الاستثنائي بالبشر الذين يعيشون في عالمها.

الـ NPCs في Trails هم الأفضل في أي لعبة فيديو. أغلبهم يمتلكون أسماء، وكل شخصية مسماة منهم يمتلك حياته الخاصة، بعلاقاته وصراعاته ورحلته التي يمكنك أن تنهي اللعبة بدون أن تعرف بأنها حدثت أصلاً! سترى علاقات حب تبدأ في ألعاب وتقود إلى حفلات زفاف في ألعاب أخرى، وعلاقات تنافسية بين شخصيات تنتهي بصداقات في غاية المتانة. هناك ذلك الشاب الثلاثيني الذي تخاف أمه أن القطار قد فاته وتحاول تزويجه بأي طريقة، وتلك الفتاة ذات العلاقة العدوانية مع والدها السكير الذي كان ضابطاً عسكرياً في شبابه ومصدر إلهامها الأكبر، والأخت التوأم التي تستغل شبهها بأختها لتنصب لها المقالب، والفتى من الطبقة العاملة الواقع في حب صديقة طفولته النبيلة، ويعيش عقدة نقص حقيقية بسبب ذلك. قد تبدو لك بعض هذه الأفكار مكررة أو بسيطة لذاتها، لكن تذكر أن كل NPC مسمى في كل لعبة يمتلك قصة كهذه. كل هذه القصص تحدث في نفس اللحظة، وتتحرك سواء اخترت أن تكون جزءاً منها أو تجاهلتها بالكامل. هذا يعطي لقارة زيموريا التي تقع فيها أحداث السلسلة حياة ومصداقية تضعها بين قمم عوالم ألعاب الفيديو.

لكن هذا ليس كل شيء، فاهتمام Trails ببشرها يمتد أيضاً لعالمها، وحب السلسلة لـ “بناء العالم” قد يكون الجانب المفضل لأغلب محبيها فيها. قارة زيموريا تعيش ثورة صناعية بفضل اكتشافها لمصدر طاقة جديدة هو الـ Orbal Energy، الذي مكنها في خلال خمسين عاماً من الوصول من المستوى التكنولوجي للقرون الوسطى، إلى السيارات والطائرات وأسلحة الدمار الشامل. النتيجة هي مستوى غير مسبوق من الفوضى، بتوتر غير مسبوق بين قوى عظمى، حروب مستعدة للاندلاع بأقل حجة ممكنة، جهات إجرامية ومنظمات سرية وأجندات مختلفة من عشرات الأطراف، وTrails لا تفوت أي فرصة للتعمق في هذا.

ورغم تعقيد زيموريا المعاصرة واحتقانها، الا أن ماضيها لا يقل إثارة للاهتمام عنها بأي شكل. وألعاب Trails مليئة بالكتب والجرائد والروايات التي يمكنك قراءتها لتعلم المزيد عن العالم في كل لحظة.

زيموريا أيضاً ليست كتلة واحدة، فهي قارة تقطنها عدة دول مختلفة بشبكة علاقات متعقدة، وهنا يأتي دور الهيكل المميز الذي اختارته Trails لنفسها. فكل عدة ألعاب تشكل سوياً ما يسمى بـ “فصل” أو Arc، وكل Arc يركز على مجموعة مختلفة من الأبطال في دولة مختلفة من دول زيموريا. تقع ألعاب الفصل الأول Trails In The Sky في دولة ليبيرل المسالمة والأقرب لما تتوقعه من عالم JRPG تقليدي، بينما تقع ألعاب الفصل الثاني Trails From Zero / To Azure في مدينة كروسبيل التجارية المحايدة بين القوتين العظمتين في غرب القارة والمستلهمة بشدة من هونج كونج، أما ألعاب الفصل الثالث Trails of Cold Steel فتقع في إمبراطورية إيريبونيا ذات التاريخ العريق والممثلة لخطر حقيقي على العالم في كونها هجين من الإمبراطورية البريطانية وألمانيا النازية. كل دولة لديها ثقافتها المختلفة وتاريخها ومعماريتها وشخصياتها، لكن القصة الرئيسية تستمر وتنتقل من فصل للثاني.

لكل فصل أيضاً نكهته الخاصة، فبينما يتبع الفصل الأول نموذج المغامرة والرحلة المعتاد في ألعاب الـ JRPG، تقع أحداث الفصل الثاني في مدينة واحدة بتركيز على التحقيق والغموض، وأحداث الفصل الثالث في مدرسة عسكرية بتركيز على الحياة المدرسية قدر يذكرك بألعاب Persona. نتيجة ذلك هو أنه يصعب لهذه السلسلة أن تصبح مملة رغم كونها تحكي نفس القصة في نفس العالم منذ بدايتها، حيث أنها تغير كل شيء من نكهة ودولة وشخصيات رئيسية كل بضعة أجزاء. نتيجة ذلك أيضاً هو أنه لا يوجد إجماع على الفصل الأفضل، ولكل من محبي السلسلة اختياراته التي تعكس تفضيلاته الشخصية. (مفضلي هو Cold Steel!)

قد تسأل الآن، ما الذي يجعل هذه السلسلة مختلفة عن أي سلسلة روايات High Fantasy؟ لماذا هي سلسلة ألعاب أصلاً؟ إجابتي هو أنه يستحيل رسم عالم بهذا الشكل والتفصيل في كتاب. الطريقة التي تستعملها Trails لتوظيف التفاعل subtle، لكنها فعالة. فليس بإمكانك في رواية أن تعطي قصة لكل شخصية في عالمك، أو أن تكتب روايات صغيرة وكتب تاريخية داخلها ليقرؤها القارئ، وإلا لأعدمت رتم الرواية إعداماً. عندما تقدم هذا كلعبة فيديو، فهو يحدث في العالم حولك ويمكنك التفاعل معه أو تجاهله، مما يعطي مصداقية للعالم بدون الإضرار برتم القصة الرئيسية أو قابليتها للقراءة. هذا ليس شيئاً يمكنك تحقيقه في كتاب.

قد تظن أيضاً من وصفي حتى هذه النقطة، أن Trails قصة جافة بتركيز على العالم والاحتقان السياسي بدون أي عناصر بشرية، لكن هذا ليس صحيحاً. Trails، أحببت هذا أو لم تحب، هي قصة تحركها الشخصيات، مليئة بالميلودراما المحببة للقلب واللحظات العاطفية القوية. شخصيات Trails كثيرة نعم، وتصل إلى 54 شخصية قابلة للعب في الجزء الأخير Trails Into Reverie، لكن كل شخصية يتم استكشافها لأقصى درجة يمكنك توقعها من لعبة من هذا النوع، وشخصية كـ Fie Claussell، أحد الشخصيات الـ 54 الأقل أهمية، أعرف عن ماضيها وحياتها ورحلتها ودوافعها أكثر مما أعرف عن أغلب الشخصيات الرئيسية في الألعاب المنافسة. رغم الطموح العملاق في سرد قصة عالم كامل، إلا أن Trails لا تنسى أهمية بناء شخصياتها ورحلاتهم، حتى أنه يمكنني كتابة مقالات كاملة عن الكثير منهم – وسأفعل -.

حسناً، تحدثت كثيراً عن Trails كمشروع قصصي، لكن ماذا عن باقي العناصر؟ القصة كانت التركيز الرئيسي للمقال، لكن لا تقلق، فأنا لم أكن أنصب لك فخاً! Trails تظل لعبة ممتازة، وإن كان القصة هي عامل الجذب الرئيسي. النظام القتالي لا بأس به في Sky، ويتطور مع الوقت حتى يصبح أحد أنظمتي القتالية في التصنيف كاملاً في ألعاب Cold Steel. الألعاب أيضاً مليئة بخيارات الـ QoL الممتازة مثل الـ Turbo Mode الذي يسرع القتالات والاستكشاف، ولا تحتوي على أي معارك عشوائية حتى في أقدم أجزائها.

وإن كنت محباً لألعاب الـ RPG اليابانية فلا بد أنك محب للموسيقى، وTrails لن تخذلك أبداً في هذا الجانب بمجموعة من الألبومات المتميزة التي تمثل ما يقارب 50% من الموسيقى التي استمعت إليها في الشهور الأخيرة. إليك عينة:

بالطبع، Trails ليست مثالية. كبداية، المستوى التقني لأغلب ألعابها متواضع، وهو المتوقع من مطور صغير نسبياً مثلاً Nihon Falcom. الرتم الذي تختاره السلسلة لنفسها لن يكون كوب شاي الجميع أيضاً، فهي لا تهتم بتقديم “hook” مبكر للحصول على اهتمامك وتبني شخصياتها وعالمها ببطء على مدار اللعبة الأولى في كل فصل قبل أن تبدأ قصتها الحقيقية. شخصياً هذه لم تكن مشكلة بالنسبة لي، لكني لاحظت أن الساعات الأولى من لعبة Trails الأولى للاعبين الجدد تجربة شاقة في العادة، حتى تحوذ اللعبة على اهتمامهم ويتشربوا تفاصيل العالم وحينها يبدأ الإدمان، فوجب التنويه. الشيء الأخير الذي أود التنويه بشأنه هو أن السلسلة تحتوي بعض tropes الأنمي الياباني المزعجة هنا وهناك. شخصياً، أرى أن السلسلة عملاقة وطموحة بما يكفي لأن أتجاهل الجزئيات التي لا تخاطب تفضيلاتي، لكن إن كنت تتحسس بشدة من هذه العناصر، فربما هي ليست لك.

حسناً، اقتنعت وتريد ان تبدأ لعب Trails. من أين تبدأ؟

الخيار الأفضل بلا شك هو أن تلعب السلسلة بترتيب تاريخ الإصدار بدءاً بـ Trails in The Sky، وهذا ما أنصح به. لكني أفهم أن هذا ليس خياراً متاحاً للجميع كونك تحتاج إلى PC لتلعب النسخة الأفضل من Trails in The Sky، وأفهم أن كونها لعبة قديمة نسبياً بالإضافة لكونها اللعبة الأبطأ في السلسلة قد يجعلها منفرة لجمهور التصنيف الحديث. في تلك الحالة، يمكنك البدء بالجزء الأول من Trails of Cold Steel، كونه لعبة أحدث وأسرع ومتوفر على جهاز الـ PS4. إن أعجبتك اللعبة والعالم بما يكفي، العودة للأجزاء القديمة ولعبها بالترتيب وقتها سيصبح أسهل.

كما قلت سابقاً، التجربة التي تقدمها Trails لا تقدمها أي سلسلة ألعاب أخرى، وحتى إن كنت تظن أنها لا تخاطبك، أعتقد أنك تدين لنفسك أن تجربها على الأقل إن كنت محباً لألعاب الـ RPG اليابانية. السلسلة جوهرة مدفونة حقيقية لا تأخذ حقها من التقدير، وسأكون في غاية السعادة إن نجح هذا المقال في إقناع شخص واحد على الأقل بأن يلعبها، ويعيش تجربة مقاربة لتلك التي عشتها في الشهور الماضية.

الخبر من المصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Main Menu

Support تحتاج الى مساعدة ؟